الجصاص
422
أحكام القرآن
للمصلي فيه ، ونحو البلوغ والعقل اللذين هما شرط في صحة التكليف وليسا بفعل المكلف ؟ فبان بما وصفنا أن ورود لفظ الأمر بما جعل شرطا في غيره لا يقتضي وقوعه طاعة منه ولا إيجاب النية فيه ، ألا ترى أن قوله تعالى : ( وثيابك فطهر ) [ المدثر : 4 ] وإن كان أمرا بتطهير الثوب من النجاسة فإنه لم يوجب كون النية شرطا في تطهيره ؟ إذ لم تكن إزالة النجاسة مفروضة لنفسها وإنما هي شرط في غيرها ، وإنما تقديره : لا تصل إلا في ثوب طاهر ولا تصل إلا مستور العورة . ويدل على ذلك أيضا أن الشافعي قد وافقنا على أن رجلا لو قعد في المطر ينوي الطهارة فأصاب جميع أعضائه أنه يجزيه من غير فعل له فيه ، ولو كان ذلك مفروضا لنفسه لما أجزاه دون أن يفعله هو أو يأمر به غيره ، لأن هذا حكم المفروض . فإن قيل : فالتيمم غير مفروض لنفسه ولا يصح مع ذلك إلا بالنية ، فليس إيجاب النية مقصورا على ما كان مفروضا لنفسه . قيل له : هذا غير لازم لأنا لم نخرج هذا القول مخرج الاعتلال فتلزمنا عليه المناقضة ، وإنما بينا أن لفظ الأمر إذا ورد فيما كان وصفه ما ذكرنا فإنه لا يقتضي إيجاب النية شرطا فيه إلا بدلالة أخرى من غيره ، فإنما أسقطنا بذلك احتجاج من احتج بظاهر ورود الأمر في إيجاب النية ، وفي مضمون لفظ التيمم إيجاب النية إذ كان التيمم في اللغة اسما للقصد ، قال الله تعالى : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) [ البقرة : 267 ] يعني لا تقصدوا ، وقال الشاعر : ولن يلبث العصران يوم وليلة * إذا طلبا أن يدركا ما تيمما وقال آخر : فإن تلي خيلي قد أصيب صميمها * فعمدا على عين تيممت مالكا وقال الأعشى : تيممت قيسا وكم دونه * من الأرض من مهمه ذي شزن يعني قصدته . فلما كان في لفظ الآية إيجاب القصد والقصد هو النية لفعل ما أمر به ، جعلنا النية شرطا ولم يكن في إيجاب النية فيه إلحاق زيادة بالآية غير مذكورة فيها . وأما الغسل فلا تنطوي تحته النية ، وفي إيجابها فيه إثبات زيادة فيها ليست منها ، وذلك غير جائز . ووجه آخر في الفصل بين التيمم والوضوء : وهو أن التيمم قد يقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء ، وهو على صفة واحدة في الحالين ، فاحتيج إلى النية للفصل بين حكميهما ، لأن النية إنما شرطت لتمييز أحكام الأفعال ، فلما كان حكم التيمم قد يختلف فيقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء احتيج إلى النية فيه لتمييز ما يقع منه عن